الجمعة، 10 أغسطس 2012

الحاكم بأمر الله .. تشويه تاريخي متعمد

صورة

يكتبها سامح المحاريق  - يتناقل المؤرخون والرواة العديد من الأخبار الغريبة والمتناقضة التي تدور حول قرارات الحاكم بأمر الله ، ويبدو في خلاصة قراءة سيرة هذا الخليفة الفاطمي أنه أقرب إلى الشخصية الكاريكاتورية منه إلى صورة الحاكم التقليدي، ولكن القراءة الهادئة لقراراته تبديه في صورة الخليفة الذي يعمل من أجل العدل والمساواة وحفظ حقوق مواطنيه، وما يمكن أن يفهم من سيرته أن هذه القرارات لم تعجب الشعب لأنه وجدها صارمة تقوم على الحد من الفوضى التي شاعت في العصر الفاطمي، أو على الأقل كانت تصب في غير مصلحة بعض الطبقات والفئات، فقامت بالتشنيع على الحاكم بأمر الله في حرب إعلامية واسعة استهدفته. 
كان الحاكم يركب حماره ويمضي في الأسواق ليختبر المقاييس والموازين، وكان العقاب يطبق مباشرة على المخالفين وبصورة قاسية تؤدي إلى ردع من تسول لهم أنفسهم التلاعب بالبضاعة من حيث نوعها أو كميتها، وأصدر قرارات للمحافظة على الأخلاقيات العامة، فنهى عن الممارسات التي تتم في الحمامات العمومية، ولم تكن المنازل في عصره تحتوي على أماكن للاستحمام، لذلك كانت هذه المسألة تكتسي بصبغة عامة. 
القرارات التي لم تعجب الناس اشتملت أيضا على منعه ذبح البقر إلا في عيد الأضحى، والبدء بالأبقار التي لا تصلح للحرث، وهذا القرار يعد حكيما إذ أنه يحارب الإسراف ويحافظ على الثروة الحيوانية التي تؤدي دورا مهما في الزراعة، وأيضا كان الحاكم يعنى بنظافة الشوارع وضرورة القيام بكنسها ويعاقب الذين يخالفون ذلك. 
من استعراض هذه القرارات التي أثارت استياء أهل القاهرة يبدو أنها تصب في مصلحة تقييم الحاكم ولا تنتقص منه، ولكن أحد القرارات التاريخية يبدو غامضا في أسبابه، وهو إصداره الأمر بمنع أكل الملوخية والجرجير، وتندر المصريون بهذا القرار كثيرا، وفسروا الأمر بأن الحاكم اعتبر الملوخية أكلة للملوك ولا يصح لعامة الشعب أن يتناولها، ولكن القراءة الهادئة لجملة من قراراته تبدي بأن منع الملوخية أتى لأسباب صحية يمكن أن الحاكم سمعها من البعض لطبيعة المياه التي تروى بها أو طريقة زراعتها، خاصة أن الحاكم أصدر قرارا أيضا بمنع أن يتم خبز العجين بالقدمين وهي الممارسة الشائعة في زمنه. 
كان الحاكم بأمر الله يبطش بشدة بالمخالفين من الأعوان والمساعدين ومنهم برجوان وابن عمار اللذين أخذا بممارسة الطغيان والتسلط، وهو الأمر الذي أثار عددا من الأعوان تجاهه، والثابت أن الحاكم تعرض لمؤامرة كبيرة يقال إن أخته ست الملك كانت تقودها، والواقع أن الحاكم اختفى لدى صعوده وحيدا كعادته، إلى جبل المقطم، وشاعت التساؤلات حول مصيره الأمر الذي دفع ست الملك لأن تعلن بأن الحاكم في غيبة، وأنه يراسلها من غيبته، وأمرت بألا تذكر سيرة الحاكم، الأمر الذي دفع المقربين منه إلى الرحيل عن مصر والدعوة إلى مذهب يقوم على تأليه الحاكم وهو المذهب الدرزي. 
أن يتعرض الحاكم بعد وفاته إلى هذه الحملة من التشويه يمثل الاغتيال الحقيقي له، فالمصريون الذين ارتاحوا من قيوده مع أنها كانت تحقق لهم العدالة والكفاية أخذوا يطلقون النكات على الحاكم ويحولون سيرته إلى مهزلة طويلة، ويبدو أن الرواة الشعبيين والحكائين استغلوا الفرصة فنسجوا القصص حول ذلك وسط تشجيع من ست الملك ورجالها، وكان يمكن إدانة الحاكم لو أنه أخضع العامة لظروف معيشية قاسية بينما مارس الإسراف من طرفه، والحقيقة أنه كان متقشفا في أموره الخاصة وفي إنفاقه على حاشيته، وهو الأمر الذي جعله كثير الأعداء خاصة في صفوف من تعودوا على تحقيق الثروة من وراء عطايا الحكام، بينما انصرفت أوجه الإنفاق لدى الحاكم على توطين القبائل البدوية ومنها كتامة البربرية القادمة من شمال افريقيا ودمجها في المجتمع المصري، وذلك لتوطيد قوة الخلافة الأموية التي كانت تعاني من صراعات كبيرة مع الولايات الإسلامية في الشرق العربي وفارس، عدا عن الاستهداف المستمر من غزوات الفرنجة التي تحولت إلى موجات الحروب الصليبية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Tahsheesh.blogspot.com