الخميس، 16 أغسطس 2012

روكسولينا .. ملهمة للفنون الاستشراقية

صورة

يكتبها سامح المحاريق  - حقق السلطان سليمان القانوني نجاحا كبيرا على مستوى توسعة الإمبراطورية العثمانية ،على حساب منافسيه في أوروبا، فوصلت جيوشه إلى فيينا عاصمة الإمبراطورية النمساوية – المجرية وحاصرتها، واستطاع أن يستحوذ على مساحات كبيرة من شرق أوروبا، كما فرض هيبته على البحر المتوسط بأكمله، بالإضافة إلى ما حققه من إنجاز على مستوى إصلاح بنية الدولة العثمانية وخاصة فيما يتعلق بالتشريعات والقوانين، ولكن يبدو أن السلطان الذي استمر في الحكم لستة وأربعين عاما لم يحقق النجاح نفسه في منزله، فاشتد الصراع بين زوجاته، وخاصة (خرم) و(ماه دوران)، وكانت كل واحدة تسعى لتنصيب ابنها وريثا لعرش والده.
حرم أو كريمة أو» روكسولينا» أو» أنستاسيا» حسمت الصراع لمصلحتها بصورة غير متوقعة، واستطاعت أن تغير تاريخ الإمبراطورية العثمانية من موقعها في حريم القصر، لتصبح هذه الجارية الأوكرانية الطرف الأقوى في معادلة القوة العثمانية، ويمكن من قراءة تاريخ سليمان القانوني التعرف على حقيقة أن روكسولينا كانت الزوجة الأقرب لنفسه والأكثر تأثيرا عليه، فاستطاعت أن تتحول من جارية إلى زوجة شرعية إلى سيدة القصر دون منازع. 
ولدت» روكسولينا» في أوكرانيا وكان والدها قسا أرثوذكسيا واختطفتها مجموعة من تتار القرم، لتباع في سوق العبيد العثماني وتصل كهدية إلى قصر السلطان، ولم تكن تعتبر جميلة قياسا بالحريم .
امتلكت وجها طفوليا يدفع إلى تصديقها ويبعث مشاعر الارتياح، ولقبت خاصيكي سلطان أو الضاحكة أو ربما بسمة السلطان، واستطاعت روكسولينا أن تمسك بمفاتيح شخصية سليمان القانوني من خلال ذكائها الشديد في إشعاره بأهميته، وباتت مهمتها الأساسية في التخلص من منافستها زوجته الأولى (ماه دوران) ووالدة ولي عهده إلى ذلك الحين مصطفى، وهو ما نجحت فيه بعد أن اعتدت دوران عليها بالضرب بعد مناكفات طويلة، وجرى نفي الزوجة الأولى مع ولدها بعيدا عن أسطنبول، وكانت هذه الفرصة لروكسولينا لتحدث الوقيعة الكبرى وتحرض السلطان بمعاونة رستم باشا، الصدر الأعظم، على ابنه مصطفى بحجة أنه يعد للانقلاب على والده، وهو الأمر الذي أدى إلى إصدار القانوني قرارا بإعدام ابنه الأكبر وتولية ابن روكسولينا سليم الثاني العهد من بعده.
عملت على توطيد فرص ابنها سليم في الحكم، وبالفعل تولى سليم الثاني الحكم بعد وفاة والده، وبعد أن قامت أمه بإزاحة جميع منافسيه المحتملين، وحتى كبار موظفي السلطنة الذين يمكن ألا يتعاونوا معه، وقامت بمراسلة العديد من الملوك لتمهد لصعود سليم الثاني إلى العرش وهو الأمر الذي حدث بعد وفاتها بثماني سنوات، ولم تكن تصرفات روكسولينا مقبولة لدى مواطني الإمبراطورية بشكل عام، حتى أنه جرت الشائعات حول أن سليم الثاني ليس ابنا شرعيا للسلطان وإنما ابن أحد الخدم في القصر، وذلك بقصد تشويه سمعة روكسولينا، والسبب في هذه الشائعات كانت شعبية مصطفى لدى المواطنين، في الوقت الذي لم يكن سليم الثاني يتواصل معهم، وإنما بقي دائما على مقربة من أمه وتحت سيطرتها. 
ألهمت هذه الجارية الفنون الاستشراقية، فالعديد من اللوحات رسمت لتتخيلها في مراحل عمرها المختلف، كما أنها أشعلت التخيل لحياة حريم السلطان العثماني، وهي الصورة التي لازمت المستشرقين طويلا وأثرت في أعمالهم، والواضح أن هذه الجارية الأوكرانية ستبقى لغزا تاريخيا، حيث يصعب التصديق أن السلطان اتخذ قراره بإعدام ابنه الأكبر بسببها، والمرجح أنه اتخذ القرار بناء على معلومات متعددة تدور حول تجميع مصطفى للجنود الانكشارية للإعداد لثورة على والده تقصيه عن العرش، وأن روكسولينا لم تعمل بالصورة السلبية التي رسمت حولها، وما يدلل على ذلك هو قيام السلطان سليم الثاني بتغطية تكاليف حياة زوجة أبيه ماه دوران حتى وفاتها ودفنها بجوار ابنها، بعد أن كان القانوني قد قرر أن تحرم من أية امتيازات، ويبدو أن القبرين المدفونين في مسجد القانوني للسلطان سليمان وزوجته روكسولينا يدفنان الكثير من الأسرار بجانب الجثمانين السلطانيين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Tahsheesh.blogspot.com