الخميس، 9 أغسطس 2012

قطر الندى.. زواج سياسي وعرس أسطوري

صورة

يكتبها سامح المحاريق - كان أمر الترك تفشى في زمن الخليفة المعتصم وكان بكياك أول الولاة الأتراك على مصر، ولما انتقل إلى الفسطاط كان برفقته ابن زوجته الصبي الصغير أحمد بن طولون الذي تمكن بعد ذلك بسنوات من الاستقلال بولايته على مصر والشام، وأسس لمصر عاصمة جديدة عرفت بالقطائع، وتابع ابنه خمارويه التوسع حتى وصلت دولته إلى حدود الفرات من الشرق وبرقة من الغرب، وحافظ خمارويه على سياسة والده في الإنفاق الكبير الذي ينصرف على المظاهر، فالعاصمة الجديدة شهدت بذخا عمرانيا كبيرا، كما أنها شهدت عرفا جديدا حيث قام ابن طولون بإعطاء الاقطاعيات للمقربين من قادة الجند ليضمن ولاءهم، ومن هذه النقطة كانت التسمية. 
كانت الدولة العباسية تعاني من سيطرة الأتراك منذ زمن المعتصم، وفي العصر العباسي الثاني تحول الخليفة إلى مجرد واجهة لسلطات القادة الأتراك، وكان ذلك حتى زمن الخليفة المعتمد على الله الذي تمكن من إعادة نصاب الأمور بصورة كبيرة في دولته، وقام بتحجيم النفوذ الفارسي والتركي على السواء، وكان ثمة توجه للقضاء على الدولة الطولونية في تلك المرحلة ونقل عاصمة الخلافة العباسية إلى مصر، ولكن ذلك كان خارج قدرات العباسيين في تلك المرحلة، وبدأت مهادنة مكتومة بين الطرفين، إلا أن حالة عدم الاعتراف المتبادل لم يكن لتستمر لأكثر من ذلك، وكان الخليفة العباسي يبحث عن مخرج لوضع الدولة الطولونية ضمن إطار حدودها القائمة وتطويق طموحات ورثة مؤسسها، وكان الحل المطروح هو عقد النسب مع خمارويه، حيث تم الاتفاق على تزويج ابنته أسماء التي عرفت أيضا بقطر الندى من الخليفة العباسي. 
ترتيبات الزواج كانت رسالة سياسية من خمارويه، فهو يريد الحصول على اعتراف العباسيين والتصالح معهم لأن ذلك سيعطيه شرعية لحكمه على مصر والشام، وسيعطيه الحصانة في علاقة طويلة مع العباسيين الذين يسيطرون على العراق ومن ورائه الجزيرة وفارس وآسيا الوسطى، بمعنى أنهم لو توفرت لهم الظروف الموضوعية لتمكنوا من مهاجمته والإطاحة به، وعليه كان الزفاف الأسطوري هو رسالة خمارويه ليدلل على إمكانيات دولته وقدراتها الكبيرة، فهودج العروس كان من الذهب، ويقال أن بين جهازها كانت ألف مبخرة من الذهب عدا عن مئات الصناديق المحملة بالمجوهرات والملابس الفاخرة والعطور، ووصلت درجة البذخ أن أقيمت استراحات مجهزة بكل رفاهية العصر الممكنة في الطريق من القطائع إلى بغداد لتقيم فيها العروس، وكان الهدف المعلن ألا تشعر بأنها غادرت قصر أبيها، وبالطبع كانت أخبار القافلة التي تحمل قطر الندى تصل إلى بغداد، وكان يتوجب على المعتضد الذي تلقى الرسالة بأن يجهز لاستقبال أسطوري يرد به على خمارويه ويثبت له بأن العباسيين ما زالوا قادرين على مجاراته في الإنفاق بطريقة مسرفة، والحقيقة أن الطرفين أنفقا بطريقة سفيهة. 
المفارقة أن قطر الندى لم يسجل لها أي دور تاريخي، ولم تذكر أية أمور عن شخصيتها، سوى أنها كانت جميلة، ولعل ذلك الوصف اعتمد على مقولات كثيرين ممن لم يشاهدوها، وإنما كان يتوقع أن يتم ذلك الاحتفال الأسطوري والمراسم التي استغرقت أشهرا من أجل امرأة جميلة بالضرورة، بينما كان المعتضد سيتزوج قطر الندى بغض النظر مظهرها ونصيبها من الجمال، والمفارقة أن الناس الذين أخذوا يغنون لقطر الندى، وبقيت أغنياتهم جزءا من التراث ومنها أغنية «يا حنة يا حنة يا حنة يا قطر الندى» لم يعترضوا أو يحتجوا لأن كل ذلك البذخ والإسراف كان يتم على حسابهم، ومن الأموال التي يجنيها ابن طولون بالقوة من الفلاحين والتجار الصغار. 
لم يكن لدولة تسلك بطريقة الطولونيين بأن تستمر، فما هي إلا سنوات حتى تمكن العباسيون من دخول القطائع وإعلان سقوط الدولة الطولونية من على المنابر، ثم قاموا بتخريب المدينة وإحراقها، وكان ذلك بعد ثمان وثلاثين سنة من تأسيس ابن طولون لدولته التي صعدت وانهارت سريعا، نتيجة سياسة الإسراف والبذخ التي انتهجها ورثته، ولم يتبق من ذكر الطولونيين سوى بعض الآثار العمرانية وأغاني قطر الندى.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Tahsheesh.blogspot.com