الاثنين، 13 أغسطس 2012

البشتون..أساطير العزلة والهوية

صورة

يكتبها سامح المحاريق -  تنتظم قبائل البشتون المنتشرة في أفغانستان وباكستان تحت قانون صارم يتضافر مع الشروط المعيشية القاسية التي تحيط ببطون البشتون التي بقيت تبحث في صفحات التاريخ عن أصل عرقي واحد يجمعها، وأهمية وحدة الأصل العرقي هي تمكينهم من المحافظة على الوحدة الضرورية في بيئتهم الصعبة التي تجعلهم مضطرين للتعامل مع كتل عرقية أخرى مجاورة سواء من القبائل ذات الأصول التركية أو التترية في الشمال، حيث الجمهوريات الإسلامية في وسط آسيا، ويشكل الأوزبك والطاجيك والتركمان أهم المنافسين للبشتون في مناطق شمال أفغانستان، وفي الجنوب والغرب تأتي القبائل ذات الأصول الفارسية والسندية، بينما الشرق يحيطهم بالصينيين، وعلى هذه القبائل أن تبحث عن وحدتها وتماسكها. 
من أبرز مظاهر الوحدة البشتونية هو مجلس اللويا جيرغا وهو تعبير بشتوني يعني المجلس الكبير ويجمع المئات من زعماء القبائل البشتونية، ولقرارات هذا المجلس تأثير كبير على حياة البشتون فهذه القرارات تحمل قوة القانون الذي يجب على الجميع الالتزام به واطاعته، ولا يستدعى اللويا جيرغا للانعقاد إلى لأسباب مهمة للغاية ومصيرية، فيمكن أن يغيب عن الانعقاد لسنوات طويلة إذا لم تكن هناك حاجة ملحة لانعقاده، ويذكر أن هذا المجلس لم يجتمع سوى تسع مرات طوال القرن العشرين، بينما انعقد ست مرات في العقد الأخير وحده وذلك بسبب تعرض أفغانستان لأول مرة في تاريخها للاحتلال العسكري من قبل قوة أخرى، فما حدث أيام السوفييت كان غزوا ولم يكن احتلالا، وأفغانستان لم تعرف الاحتلال البريطاني الذي تمكن من السيطرة على المناطق المحيطة بها، ولم يتمكن الأباطرة الروس من دخول أفغانستان على الإطلاق. 
السبب وراء ذلك هو شراسة قبائل البشتون القتالية وخاصة في المعارك التي تدور على أرضها الوعرة وتضاريسها الصعبة، وهذه القبائل صنعت ثقافتها من العزلة والانطواء والظروف المعيشية المعقدة، فالبشتون يبحثون عن أصل عرقي واحد ليحافظوا على بقائهم، وبغض النظر عما إذا كان ذلك ممكنا أو صحيحا، وليس محتملا أن البشتون هم قبائل تنتمي إلى أصل واحد، والمرجح أنهم خليط من سلالات آرية مستوطنة تخالطت بشدة مع الفاتحين العرب ومن بعدهم التتار الأمر الذي أعطاهم تفردهم المختلف عن الآخرين، والمنطقي أن الفاتحين العرب تزوجوا من نساء المنطقة وكان نسلهم جزءا من نسيج القبائل التي أخذت تسمية البشتون، وهم قوم قدماء عاصروا الإغريق وكانوا يتواجدون في المنطقة التي غزاها سابقا الإسكندر المقدوني. 
في بعض الروايات الشعبية التي يتناقلها البشتون فإنهم ينتسبون إلى نسل النبي يوسف، وبذلك فهم ينتمون إلى القبائل الإسرائيلية، ولكن هذه الرواية أتت لتصب في بعض التصنيفات التي ترى فيهم أحد الشعوب السامية، ولكن ذلك لا يدفعه أي سند تاريخي سوى بعض الروايات في كتب متفرقة، وظهور البشتون ككتلة بشرية متجانسة أتى بعد الفتح العربي، فالأولى أن تكون العنصر السامي في البشتون عربيا وليس يهوديا، كما أن المنطقة كانت تقع على طريق مواصلات مهم في العالم، وشهدت هجرات متتابعة من مختلف الأجناس والأعراق، كما أنها كانت ملاذا للقبائل التي تتعرض للاضطهاد والطرد من مختلف الأقاليم المجاورة، وفي العزلة التي عاشتها هذه القبائل كانت الأساطير حول الأصل والهوية ضرورية لتتماسك في مواجهة الطبيعة والعالم من حولهم. 
اليوم يصل تعداد البشتون إلى أكثر من خمسة وثلاثين مليون نسمة، يعيش أكثر من عشرين مليونا في باكستان، وحوالي الأربعة عشر مليونا في أفغانستان، وعلى الرغم من أنهم مسلمون ملتزمون إلا أن أعرافهم وتقاليدهم ما زالت تطغى أحيانا على المبادئ الإسلامية، خاصة في تطبيقهم لمبادئ طبقية تجعلهم يرفضون التزاوج مع بعض الأقليات بناء على نظرة استعلائية واضحة، وما زالت بعض مظاهر العبودية في تعاملهم مع القبائل الأضعف موجودة في السلوكيات الشعبية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Tahsheesh.blogspot.com