سامح المحاريق - المركز والأطراف مصطلح يستخدم في أكثر من مجال، ويبدو أحيانا مصطلحا اقتصاديا أو اجتماعيا، ولكن قلة من التجارب حاولت أن تستقصيه في المجال الأدبي والفكري، فتضخم العواصم ظاهرة عالمية، ففي بريطانيا كلها لا توجد مدينة أخرى بحجم لندن، والعاصمة البريطانية أكبر من المدينة الثانية من حيث عدد السكان بسبع مرات، ولكنها لا تلغي بيرمنجهام أو مانشستر أو ليفربول، أو أدنبرة أو جلاسكو، ففي هذه المدن توجد حركة نشطة في مختلف المجالات، توجد حياة بالمعنى الكامل، ألمانيا، توجد بها ست أو سبع مدن رئيسية بجانب العاصمة، ميونخ وفرانكفورت وهامبورغ وكولون ودوسلدورف ودورتموند وشتوغارت، وحتى مدن صغيرة أو متواضعة السكان مثل جينا فإنها تشتمل على حركة فكرية وثقافية واسعة حول جامعتها الشهيرة، جينا الميكروسكوبية بمقاييس المدن الحديثة كانت عاصمة الفلسفة المثالية في العالم، هولندا (أقل من نصف مساحة الأردن) بجانب أمستردام، توجد روتردام ولاهاي، في العالم العربي توجد ظاهرة تغول العاصمة، بحيث تتحول إلى كتلة سرطانية تسحب من المدن الأخرى وتلقيها خارج الحسابات ليس في الاقتصاد والتجارة ولكن في الفكر والثقافة أيضا، دمشق حولت حلب سيف الدولة والمتنبي إلى مدينة منسية، القاهرة جعلت الإسكندرية عاصمة العالم في العصور القديمة مجرد مدينة إقليمية، وعمان، جعلت المدن الأخرى مجرد ظلال أو محطات على طريقها، حتى بيروت في المساحة الصغيرة للبنان لم تتمكن من التغول المبرم والتام على صيدا وصور وطرابلس وبعلبك، بغداد لم ترسل البصرة والموصل إلى النسيان، عمان حالة متفردة في تغول العاصمة، بالمناسبة، يمكن لأي مواطن عربي أن يعرف حلب أو مراكش أو الإسكندرية، ولكن ذلك ليس صحيحا بالنسبة لإربد أو الزرقاء أو الكرك، المواطن الذي نتخيله هو رجل في حضرموت باليمن أو في منطقة القبائل بالجزائر لم يسافر من قبل ولم يركب الطائرة في حياته.
ما علاقة ذلك كله بسليمان القوابعة؟ للوهلة الأولى تبدو العلاقة منتفية تماما، ولكن كل ما ذكر أعلاه وثيق الصلة بحالة القوابعة وحالة الطفيلة، وبالمناسبة، ما العلاقة بين الطفيلة ومدينة كان الفرنسية، للوهلة الأولى لا علاقة ولا مجال للمقارنة، ولكن العلاقة تبدو وثيقة بعد قليل من التأمل، كان مدينة صغيرة على المتوسط (أكثر بقليل من سبعين ألف نسمة) مدينة جميلة ولكنها متواضعة في إمكانياتها السياحية مقارنة بموناكو وسان تروبيز، ولكن المهرجان السينمائي يجعلها تقريبا بشهرة مدينة كبيرة مثل مونبيليه أو ليون، وربما أشهر في بقية أنحاء العالم، بطبيعة الحال كان التفكير في باريس يمكن أن يجعل مسألة استقطاب كبار صناع السينما أسهل بكثير، وهم عموما يعبرون باريس جيئة وذهابا، ولكن الفرنسيون لا يفكرون في باريس وحدها.
لن تتحول الطفيلة إلى كان، لأن عمان لن تتحول إلى باريس أيضا، ولن تتحول الزرقاء إلى فرانكفورت لأن عمان ليست برلين بطبيعة الحال، ولكن سليمان القوابعة لا يمكن أن يتأثر بنفس القياس السابق، فالقوابعة روائي أردني متميز استطاع من خامة مدينة الطفيلة ومحيطها أن يصنع أساطيره وأن يجلب التاريخ كتفاحة جاهزة لقضمة المعرفة والاستنارة ليضعه للأسف في مكان لم يعد أحد يعني فيه بالتاريخ، فعمان التي تستقطب الحركة الثقافية الأردنية أصبحت مزنرة بمطاعم الوجبات السريعة ومحاصرة بالعصبية والإرهاق وراء صورة المدينة الرأسمالية وكأنها تتنكر للقرية القديمة التي أنتجت من المحبة والتفرد حصة كبيرة، عمان اليوم مدينة غادرت من ذاتها ولم تصل إلى أي مكان بعد، عالم أسمنتي يشبه رسما كروكيا، عمان القديمة أسفرت عن جملة من الأساطير التي تمكن منها زياد قاسم، ولكن عمان الجديدة تتمرد على الأسطرة وتحاول أن تبدو واقعية مثل فاتورة أو ميزانية ختامية، ولكن الشعب الذي يعيش دون أساطير يعيش دون حقائق، وفي الأردن من الأرض البكر ما يكفي لكثير من الأساطير والإبداع.
كنا وقوفا في شارع الجاردنز، أو وصفي التل، وعمان تنفرد بظاهرة أسماء الأماكن التي لا تتطابق مع نزوات ورغبات أمانة العاصمة ومفاهيمها، فميدان جمال عبد الناصر هو الداخلية، والرينبو يحمل اسمه القديم الذي لا يتطابق مع السجلات الرسمية، وهكذا، كنا أنا والشاعر غازي الذيبة الذي أدهشني بحديثه التفاعل الذي لقيه في أمسية شعرية في جرش، ومدى المتابعة والاهتمام من الجمهور، في الوقت الذي تتحول فيه الأمسيات الشعرية في عمان إلى مناسبات للنميمة والتعارف، ولكن جمهور جرش لا يمتلك نفس السطوة على المؤسسات والإعلام الثقافي، ولذلك لا يستطيع أن ينتج ذائقته، وبينما تحتفي بعض الصحف الأردنية بهلوسات أدونيس مثلا، فإنها تغلق أبوابها أمام العديد من المبدعين من الأردن لأنهم ببساطة لا يمكن أن يظلوا في عمان ليبحثوا عن الناقد أو الصحفي في مقاهي وشوارع وسط البلد.
مرة أخرى مع القوابعة، ومع حوض الموت، الرواية التي أتت بالعثملي والبدوي والقروي، بالجندي الذي انتزع من الأناضول يواري خوفه وغربته في العنف والبطش، عادة ما يكون مراهقا أو شابا ألبسوه صورة الذئب وسمته، في مواجهته، بدوي هارب من الفاقة واليأس لا يعني الموت بالنسبة له إلا مفازة أخرى يقطعها راغبا أو راهبا، والقروي الذي يمثل الحياة، أو التويج الذي يتطاول كما تصفه اليمامة في مراثيها التي كتبها بالنيابة عنها أمل دنقل، والأخير جنوبي مثل القوابعة، وحوض الموت يمضي في ثيمة سياسية متشابكة ومعقدة تروي قصة الأرض وما تحمله في داخلها من سيرورة خاصة ومختلفة عن أي نموذج آخر، والأرض هي المفهوم الإنساني للمكان وليست المساحة الجغرافية كما تسكن عقول الكثيرين، هي أرض بالأفق والاتساع والحرية وليست بالأمتار والدونمات.
القوابعة حالة، وحوض الموت أحد تجليات هذه الحالة، مع الصفحات الأولى من حوض الموت كنت أحاول البحث عن الكوني، ابراهيم الكوني، ولكنني اكتشفت أنني كنت ساذجا، إنه أتشيبي، غيناوا أتشيبي في نسخة أردنية، وحوض الموت هي الأشياء تتداعى Things Fall Apart على طريقتنا، ملحمة بالغة الخصوصية، ولكن القوابعة يبقى بعيدا في مدينته، وتبقى المؤسسة الثقافية في الأردن بحاجة إلى يد تلكزها دائما لتذكرها بأهمية تصدير الثقافة الأردنية ووضعها في مكانها الصحيح والمناسب، والإعلام الذي يتحمس لمجرد شاب لا يستطيع أن يركب جملة مفيدة لأنه اشترك في برنامج غنائي وينسى مبدعين حقيقيين يستحقون حضورا أوسع واهتماما أعمق، القوابعة، الجنوبي الجميل، ولعله يخاف من زيارته القليلة لعمان ويبتعد عنها ليتجنب أطياف دنقل ويحيى الطاهر عبد الله (طرفي قصيدة الجنوبي.. الشاعر والغائب) الذين أكلهما غول المدينة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق