ديما محبوبه
عمان - يعتقد كثيرون بأن الأمثال دائما صادقة ومطابقة للواقع، وعليها يعتمدون في قراراتهم، لكن يرى بعضهم أن لكل قاعدة شواذ، فقائل "العتب على قدر المحبة"، لم يعلم أن هناك أشخاصا يخالفونه الرأي تماما، وأن كثرة العتاب تقلل المحبة والجفاء.
وكما يعرف بأن الخلافات في العلاقات الإنسانية أمر وارد وطبيعي، ويتعرض لها أي شخص في أي لحظة، فقد تحدث بين الزوجين، أو بين أفراد الأسرة الواحدة، وكذلك بين الأصدقاء، لكن العبرة تكمن بطريقة التعاطي مع هذا الخلاف.
وبين مؤيد ومعارض لفكرة العتاب، وبين من يشدد على أنه يجلي الصدر، وآخر بأنه ينسف العلاقة تؤكد العشرينية هلا إبراهيم، بأن كثيرا من الناس يلجأون إلى العتاب كوسيلة لحل خلافاتهم مع شخص عزيز، وذلك من مبدأ أن "العتاب صابون القلوب، ولغة متعارف عليها بين الأحباب".
ويجد البعض بأن العتب، يعني أن الشخص المعاتب حريص على استمرارية العلاقة والحفاظ عليها، وأن هناك من ينجح في نهاية الحلقة، ومنهم من يفشل لطبيعة الأشخاص وثقافتهم ومدى وعيهم ودينهم وأخلاقهم ورحابة صدرهم.
ومن وجهة نظر معلمة اللغة العربية للمرحلة الثانوية هدى اسماعيل، فإن "الكلمة الحلوة طالعة والكلمة السيئة طالعة"، وهناك كثيرون لا يدركون حتى كيفية كلمة العتاب الصحيحة، وأن للعتاب فنا خاصا به، فهو تقريب لوجهات النظر وتحديد نقطة الخلاف والابتعاد عن الهجوم، والمعاتب الذكي يأخذ ما يريده لكن عليه أن يتقن هذا الفن.
في حين ترى أم حنين "أنه من حق الصديق أن يعاتب صديقه على خطئه، أو حيال تصرفه في موقف معين، ولكن يجب أن يكون العتاب بالحسنى، ولفت نظره إلى خطئه برفق".
وتؤكد أن تحمّل خطأ الأصدقاء مسألة طبيعية في علاقاتهم، فمن لا يتحمل خطأ الآخرين لا يستطيع أن يتعايش معهم، أما من يتجاوز حدود الأدب، ويتسبب بالإساءة والضرر إلى صديقه، فلا ينبغي أن يتخذ صديقا من الأساس.
يبين التربوي د. محمد أبو السعود بأن من ينقد زوجته أو صديقه، أو أحدا من أفراد العائلة والعكس في حال من أخطأ، هو موقف صحيح وضروري لتصحيح الخطأ، ولإدامة العلاقة بين الأصدقاء، "ولكن من الخطأ أن نعاتب الصديق في كل قضية، وخاصة في بعض الأمور الصغيرة، فقد يكون نقدك أو عتابك مثيرا لمشاعر أصدقائك أو جارحا لهم"، وفق قوله.
ويطلب (أبو السعود)، من الشخص الذي يتلقى العتاب بأن يكون واسع الصدر، فمن الممكن أن يكون هذا العتاب طريقة لتقويم أخطائه ونقدا بناء، مؤكدا ضرورة أن تتسع القلوب والعقول لقبول ذلك، لأن الإنسان يخطئ، والنقد البناء يسهم في محو الأخطاء وتقويم الإنسان، وتوثيق العلاقة بين الأصدقاء.
"كل علاقة مهما كان نوعها تقوم على أمور محددة وحاجات ومبادئ، يجب أن يتوافق عليها كل صديقين، إما علنا أو ضمنا" وفق قول اختصاصي علم الاجتماع ومدير مركز الثريا للدراسات د. محمد جريبيع، الذي يوضح أنه في حال إيجاد أي خلل في العلاقة على أحد الأطراف أن يتنبه لها، وأن يعمل على تقويم الخطأ حفاظاً على الصداقة".
ويبين أن العتاب هو "التعبير عن آراء وشعور كل واحد من الأصدقاء، وهذا يعني أن العتاب من شأنه أن يؤدي إلى استمرار العلاقة، لتكون علاقة صحيحة، أما في حال كتمانها، فسوف يؤدي الكتمان إلى فشل العلاقة".
لكن في ظل ضغوطات الحياة وكثرة الأمور التي يفكر بها الشخص من ضغوط، دراسة، عمل وزواج وغيرها الكثير، يشعر بأنه غير قادر لاستيعاب أي كلمة تحمل مفهوم العتب، فهناك من يرى أن على الأصدقاء والزوجة مثلا مراعاة المشاعر والحاجات دون الحديث فيها أو العتاب لأن "اللي فيه مكفيه".
ومن وجهة نظر رافضة فكرة العتاب، يجد طالب الجامعة جميل عوني، أن العتاب بات أمرا مرفوضا تماما، فلا داعي له، فخاطئ من قال "العتب على قدر المحبة"، فالعتاب اليوم هو اعلان بانتهاء العلاقة، وخاصة إذا كان الخطأ غير مقصود، أو لأمر "سخيف".
ويقول "يعجبني الشخص الذكي واللماح والذي يفهمك ما يريد ومن خلال كلامه تفهم ما يريد البوح به، والأصل بمن يريد أن يعاتب أن يبتعد عن اللوم والاتهام فكل شيء يزيد على حده ينقلب إلى ضده فيزعج الطرف الآخر".
ويرى خبير مهارات السلوك ماهر سلامة، أن العتب بالفعل يجلي الصدر لكن حسب المعاتب وطريقته في العتاب، فينصح المعاتب أن لا يضع الطرف الآخر موضع المتهم ويجعله مضطرا إلى الدفاع عن نفسه بطريقة تبدو وكأنه يبرئ شخصه من تهمة مؤكدة، فمن الممكن أن يكون الأمر رد فعل عكسي وغير متوقع وربما يخسره.
"وعندما يعاتب الشخص، يجب أن يحدد الأشياء التي يتضايق منها وتزعجه بالطرف الآخر بدقة وأن يضع النقاط على الحروف"، مؤكداً حرصه على العلاقة مع الطرف الآخر وأن عتابه له هو من باب الحفاظ على الود القديم حسب قول حكمة قديمة "علامة ما بين المحبين في الهوى عتابهم في كل حق وباطل".
ويشدد على أن "عتاب من نحب يتطلب منّا أن نكون مهذبين معه، فلا نجرح في عتابنا، ونتحرى الدقة في ألفاظنا ونبتعد عن الاستفزاز وعن كل ما قد يسيء، ويتطلب العتاب أيضا الهدوء والابتعاد عن الانفعال والنبرة المرتفعة في الحديث، وعلينا أن نتذكر أننا نعاتب لا نتشاجر".
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق