الأربعاء، 25 يناير 2012

الحـب مضاد للاكتئـاب

 د. محمد عبد الكريم الشوبكي *

الحب في المصطلح النفسي يعني العاطفة القوية العميقة الايجابية تجاه شخص او أمر ما الى درجة الالتصاق به وهو نوع من التعبير الإنساني عن المودة والطيبة والنقاء والبعد عن الأنانية ,فهو علاقة تبادلية في الاحترام والتماس والثقة , انه أمر تلقائي لا إرادي نتيجة للفهم المتبادل بين الطرفين واشتراكهما في احترام مكانتهما .
ولا يقف الحب بين العلاقات البشرية كحب الاشخاص بل يتعداه الى الكون كله  ,والدين ,و الأفكار ,والموسيقى , والمناخ , و الحيوان , والنبات , والفضاء. 
وقد أثبتت الابحاث ان الشعور بالحب يؤدي الى زيادة إفراز الهرمونات العصبية في الدماغ خاصة ( الفيرمون , و الدوبامين , و السيروتانين , والنورابنفرين ) والتي تؤدي الى الشعور بالسعادة والنشوة والحيوية والطاقة وزيادة الدافعية والثقة بالنفس وتزيد من القدرات الذهنية كالتركيز والاستيعاب والتحليل والاستنباط والتأمل فهي تستحث المراكز الدماغية المسؤولة عن الشعور باللذة والاستمتاع والسعادة , وفي هذا المجال تقول الباحث « الين كراث» ( ان الحب افضل مضادات الكآبة ولكن الكثير منا يحمل أفكارا خاطئة عنه فحينما تحمل حبا اقل سوف تكون اكثر كآبة والعكس صحيح ).



فالحب أمر أساسي في حياة الانسان وحاجة ماسة للوجود الإنساني انه كالأوكسجين للجسد فكلما زادت المحبة كلما زاد الانسان سعادة ونشوة وحيوية فمن أهم الأعراض النفسية للكآبة الشعور بفقدان حب الذات وعدم حب الآخرين لذلك نرى الكئيب منعزل وغير جذاب في ملبسه وحديثه وسلوكه الاجتماعي بسبب فقدانه للحب .
و في كثير من المجتمعات والحضارات تنتشر مقولة «الحب هو السعادة» فالإنسان يتشرب الأفكار والسلوك والاتجاهات والميول من المجتمع الذي يعيش فيه فالمجتمعات التي تقل فيها المحبة تسود فيها الكآبة إذ ان الحب رافد أساسي لحياة الانسان والشعوب النفسية شأنه شأن الطعام للجسد والأوكسجين والجنس وفي هذا الصدد يجمع كثير من الباحثين « ان للإنسان قابلية واستعداد ليغير من نفسيته ليصبح محبا ومحبوبا وينأى بنفسه عن الكآبة « .
وعليه فان الحب سلوك متعلم , انه ضرورة و إرادة ذاتية فإذا لم تستطيع تعلم واكتساب أساليب المحبة فانك تضمن السقوط في الكآبة ليس فقط بسبب عزلتك ولكن بسبب ما يؤول به فقدان المحبة الى الفشل على جميع مستويات الحياة .
مع التأكيد ان هناك فرقا بين « التيتم والغرام الجنسي « وبين الحب فالغرام او الحب الجنسي حاله نفسية عميقة تشعر الانسان بالنشوة والسعادة الآنية التي يشوبها كثيرا من القلق والتوتر بسبب تدفق هرمون ( الأدرينالين ) انها حاله مؤقتة لا تدوم على الغالب فهي نوع من الالتصاق تجاه شخص والانجذاب النفسي الشديد وهي تبقى لمدة أقصاها ( 6 اشهر ) ويمكن ان تستمر لتتحول الى حب حقيقي عذري .
ولكي يستطيع الانسان اكتساب الحب في كنهه وماهيته الأصيلة وجد الباحثون بعض الأمور التي تساعد الانسان على ذلك ومنها لا للحصر ان يفهم الانسان ان لا تطابق بين شخصين في العالم اذ لا بد من الاختلاف ولذلك يجب القفز عن كل الفروقات السطحية مع الاتجاه نحو التحاور مع الطرف الأخر في نقاط الخلافات الجوهرية للوصول الى المحبة والمودة والتركيز والانتباه لمتطلبات الطرف الأخر بدلا من التركيز على المتطلبات الذاتية وذلك يستوجب قراءة ماذا يريد ويرغب الطرف الأخر مثل ( الأب , و الأم , والزوجة , و الأخ , والزميل ..الخ ) وبهذه الطريقة يتعزز سلوك المحبة .
ولعل في الإقدام على مساعدة الآخرين توطيد وزرع بذور الحب فالكئيب مثلا يركز على ذاته ولا يخرج عن طوقها ولذلك حينما يخرج الانسان عن طوقه الذاتي بمساعدة الآخرين يستطيع اكتساب الحب فالعلاقة هنا طردية فكلما زادت استجابات الانسان لاحتياجات الآخرين كلما زادت المودة والمحبة .
ولذلك على الانسان ان يدرك ان الحب هو امتلاك وكسب ذاتي وخلاف ذلك يصبح الانسان غير واقعي كحال الكئيب وعليه ان يهذب نفسه وينظر اليها بواقعية يبتعد عن التحسس الزائد او الشعور الاستباقي بعدم قبول الآخرين ومحبتهم له , والبعد عن الشعور بدنو الثقة بالنفس فإذا لم يحبك الآخرين فانه بسبب هذه المشاعر والتي من شأنها ان تؤدي بك الى سلوكيات منفرة .
فعلينا إدراك ان كثيرا من الأصوات الداخلية السلبية في جوفنا ليست واقعية بمعنى ان نقاوم هذه الأحاسيس السلبية « إنني محبوب وأحظى باهتمام الآخرين « لان الأفكار السلبية مبنية على اللاواقع وبهذه الطريقة يمكننا اكتساب الحب .
وفي هذا المجال يؤكد عالم الاجتماع التونسي الطاهر لبيب « ان المعرفة العربية السيكولوجية حزينة لان من جملة مشكلاتها انها لم تهتم بجوانب أخرى مضيئة كالتعبير عن الحب فالحب محصور عندها في علاقة الرجل بالمرأة بينما الحب هو القوة الدافعة للبشر للتنادي والاقتراب والميل الى الكائن الأخر .
ويستطرد القول : ان الحب أساسا مواجهة للموت وهو القوة التي اصطفاها الجنس البشري والموت لم ينقطع عن الحب فكل من عشقوا ماتوا والثقافة اليونانية أبرزت للحب آلهاً وهو « دايروس « الذي يواجه اله الموت , و لا بد من الإشارة هنا ان كل الثقافات تعبر عن حبها للكون والمرأة والرجل ومن هنا ننظر الى الحب على انه محاولة لبناء علاقة بالعالم فهي طريقة يبني بها الانسان علاقته بالدنيا والمجتمع فهو مقاومة للموت ومدخل لعودة الأمل .
ومن الملاحظ فيما يخص العرب أنهم كانوا في مدهم الحضاري أيام عزهم الثقافي عبروا عن الحب كأرقى ما يكون ومدوا المخيال الأوروبي بقيم عظيمة للحب فالعرب صاغوا الحب بأشكال راقية فارتبط عندهم بالمد الحضاري فلما تراجع المد الحضاري والثقافي العربي في القرنيين الثالث عشر والرابع عشر تراجع التعبير عن الحب وأصبح العرب لا يستطيعون التعبير عنه .
ويضيف لبيب : ( الحب للآخر هو الأنا لان الحب مرآه عند الأخر وهذا التوسع يؤدي الى اكتشاف ورؤية جمالية الكون فالعرب عمقوا مفهومهم للحب في بداية الإسلام لذلك بدأ تأثرهم في اكتشافهم الجمال في نصوصهم ونشر الصوفيون فكرة الحب الإلهي وصعدوا الرغبة الجنسية الى مجالات ذات قيم اجتماعية) .

* مستشار الأمراض النفسية والعصبية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Tahsheesh.blogspot.com